الشبكة اللبنانية للتنمية في حوار خاص مع:
المدير التنفيذي لمؤسسة حقوق الإنسان والحق الإنساني
وائل خير: "تعميم ثقافة حقوق الإنسان لا تتمّ في النصوص فقط بل في الممارسات اليومية"
* أجرى اللقاء بسمة عبد الخالق.
- متى تمّ تأسيس مؤسسة حقوق الإنسان والحق الإنساني –لبنان، وما الهدف وراء تأسيسها؟
في العام 1989، تمّ تأسيس مؤسسة حقوق الإنسان والحق الإنساني للتعويض عن ما خلفته الحرب الأهلية من دمار وانتهاكات في حقّ الإنسان في لبنان. الهدف الرئيسي من قيام هذه المؤسسة هو بناء لبنان ما بعد الحرب على أسس واضحة لا تتوقف عند حدود أي تسوية سياسية بل تتعداها لبناء دولة قائمة على إحترام حقوق الإنسان. هذه المؤسسة مقرّها لبنان ولكنها تحرص على الدفاع عن حقوق الإنسان دون التوقف عند حدود الجنسية أو العرق أو اللون. كما أن المؤسسة تلتزم الحقّ الإنساني الذي يحدّده قانون الحرب، وبذلك لا ينحصر عملها في خالة السلم بل يشمل حالة الحرب أيضاً. المؤسسة هي عضو فعّال وبارز في الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان.
- ما هي أبرز نشاطات المؤسسة؟
يرتكز نشاط المؤسسة على ثلاثة محاور:
- التعليم المبني على تعليم وترويج ثقافة حقوق الإنسان الذي يعتبر الأكثر رواجاً في العالم والأقل معرفة وإدراكاً بين الناس
- قضايا القانون لجهة ملاحقة القوانين بعد صدورها ودراسة مدى تماشيها مع حقوق الإنسان نظرياً وتطبيقياً، والتركيز في هذا المجال يتمّ للدفع بجهة القانون الطبيعي وليس القانون الوضعي أي القانون الموضوع والمعمول به.
- الدفاعات التي تنقل العمل في مجال حقوق الإنسان من النشاط النظري إلى العمل الفعلي، وذلك يتمّ على مستويين، أمام السلطات الفعلية التي تسيطر على المجتمع من جهة وأمام السلطات الرسمية أي الدولة. كما أن سجلّ المؤسسة يظهر تعاطيها الموضوعي في قضايا الدفاعات بعيداً عن كل شكل من أشكال التمييز بين الأشخاص والمجموعات السياسية التي تتعرض للإنتهاكات.
والجدير بالذكر هو حرص المؤسسة الدائم على عدم زجّ السياسة في قضايا حقوق الإنسان كما هي الحال الدول العربية أو حتى بعض الدول الأوروبية التي تستخدم حقوق الإنسان لتظهير مطلب سياسي أو الدفاع عن جهة سياسية معيّنة.
- هل باعتبارك أنّ منحى"الحق الإنساني" قابل للتطبيق في لبنان اليوم وكيف يتمّ ذلك؟
من جهة يمكن الإعتبار أنه لا يوجد أي مبرّر لإدراج "الحق الإنساني" من ضمن أعمال المؤسسة بحيث أنّ لبنان لا يشهد حرباً أوعمليات عسكرية على أراضيه قد تعرّص الإنسان فيه إلى انتهاكات في حقوقه كما كانت الحال عام 1989، ولكن من جهة أخرى لا بدّ أن يؤخذ بعين الإعتبار حالة عدم الإستقرار الذي يشهده لبنان في ظل غياب السلطة المركزية والدور الذي تلعبه قوى النفوذ المسيطرة. إنّ وجود هذه القوى يعرّض لبنان لحالة تفجير محتملة في أي وقت ممّا يؤكد ضرورة جهوزية المؤسسة دائماً لجهة حماية الحق الإنساني في حال التجاوزات، مع التذكير أنّ المؤسسة تعمل ببنود اتفاقيات جنيف الأربعة للعام 1949 التي تضع ضوابط الحرب بين الجيوش النظامية والبروتوكولين الذين صدرا عام 1977 في حال وقوع نزاعات بين الميليشيات والجيوش. في التقرير الذي أصدرته المؤسسة بالتعاون مع المؤسسة الدولية للديمقراطية وحقوق الإنسان بعد الحرب الإسرائيلية على لبنان في العام 2006، تمّ تناول الحق الإنساني بموضوعية كاملة لناحية تحديد مسؤولية الأطراف التي خرقت وانتهكت الحق الإنساني خلال العمليات العسكرية على أرض لبنان، ولا سيما التأكيد على انتهاك حقوق المدنيين والاحتماء بهم وزجّهم في العمليات الحربية بالإضاقة إلى استخدام الأسلحة المحضورة دولياً لقصف المدنيين، مما يصنّف في خانة الجرائم ضد الإنسانية.
- ما هي النتائج الحسية للتربية والتنشئة المدنية على حقوق الإنسان في لبنان، وكيف تقيّم أعمال المؤسسة في هذا المجال؟
من أبرز النتائج الحسية هي زيادة الوعي لدى الإنسان حول حقوقه وحقوق الآخرين التي يرعاها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والإتفاقيات والبروتوكولات التي تلته، ولكن هذا القدر لا يكفي لتقييم وقع التربية على المجتمع ككل. ما يمكن التوقف عنده هو دور المؤسسة الفعلي في حياة أشخاص عدّة كانت قد انتهكت حقوقهم وتعرضت حياتهم للخطر، وذلك من خلال مصداقية المؤسسة ونشاطها الجدّي وتعانوها مع الجهات الرسمية والمؤسسات غير الحكومية العاملة في لبنان. إنّ تعميم ثقافة حقوق الإنسان لا تتمّ في النصوص فقط بل على مستوى الإجراءات والممارسات اليومية في الدفاع الشرس عن حقوق الإنسان دون التوقّف عند أي اعتبار سياسي أو أمني.
- كيف يمكن وصف تطوّر القوانين في لبنان لجهة تطابقها مع حقوق الإنسان؟
بدءاً من الدستور اللبناني فإنّه ينص على ضرورة تطابق القوانين اللبنانية مع شرعة حقوق الإنسان، ولكن الواقع يظهر أن تطوّر القوانين مع التعديلات التي يتم إدخالها عليها، لا يزال بعيداً عن التماشي الكليّ مع المعايير العالمية لحقوق الإنسان. على سبيل المثال لا الحصر، فإنّ قانون الإنتخاب في لبنان لا يحترم بكليّته حقوق الإنسان لاسيّما في ما يخصّ باقرار الكوتا النسائية، خفض سنّ الإقتراع وتقسيم الدوائر الإنتخابية من أجل تمثيل عادل لجميع المواطنين يحفظ حقوقهم في التمثيل السياسي الصحيح. بالإضاقة إلى ذلك فإنّ إقتراع غير المقيمين أيضاً معرّض لانتهاك حقوق الإنسان بحيث قد يتمّ تسهيل عملية الاقتراع لبعض المواطنين ووضع عراقيل للبعض الآخر بسبب الإنتماء السياسي أو عدم وجود كفاية في الموظفين العاملين في البعثات اللبنانية في الخارج ممّا يقلّل من إقبال المواطنين ويمنعهم من ممارسة حقّهم في الإقتراع. وهنا من المجدي طرح الإصلاحات التشريعية التي من شأنها تمكين الناس والمساواة فيما بينهم لجهة الإقتراع أكان في لبنان أو خارجه.
من بين الإصلاحات التي شهدها لبنان حديثاً هو التعميم الذي صدر عن رئيس الجامعة اللبنانية لجهة إلزامية تعليم مادة حقوق الإنسان في كافة فروع الجامعة، ولكن السؤال يبقى عن كيفية إنتقاء الجسم التعليمي المؤمن بهذه الثقافة العالمية إيماناُ تاماً ومدى تطابق المبادىء والنظريات حول حقوق الإنسان مع الشقّ التطبيقي للمادة الذي لم يقر بعد من قبل إدارة الجامعة.
- ما مدى تعاونكم مع الجمعيات التي تعنى بحقوق الإنسان؟
إن المؤسسة تؤمن بمبدأ التعاون مع مؤسسات وجمعيات أخرى تعنى بالدفاع عن حقوق الإنسان في لبنان أو الخارج لأن التعاون يؤسس لتعميم هذه الثقافة وجعلها من صميم حياة الناس، ولكن التعاون يبقى محصوراً أو مقيّداُ في حال تمّت محاولة إدخال الشؤون السياسية إلى قضايا حقوق الإنسان، أو إستعمال حقوق الإنسان كوسيلة لتحقيق المكاسب السياسية، وهذا بالتحديد ما يعيق ويحدّ العمل مع جمعيات أخرى. على سبيل المثال، تقوم بعض التجمعات والأحزاب السياسية المحضورة في الدول العربية بترويج عملها في إطار حقوق الإنسان كوسيلة لمزاولة العمل السياسي المحظور من السلطات الرسمية، وهذه ما يتنافى مع مبادىء وأصول حقوق الإنسان. أما في ما يخصّ المنظمات الأوروبية والعالمية، فالمشكلة أيضاً تكمن في مصالح هذه الجمعيات مع الدول التي تموّلها والتي تعيق رسالتها في خدمة الإنسان والدفاع عن حقوقه.
- لماذا اختارت مؤسسة حقوق الإنسان والحق الإنساني القاضي جوني قزي لمنحه جائزة المؤسسة السنوية؟
إنّ المؤسسة حريصة على الإضاءة على إنجازات الناشطين والعاملين في مجال حقوق الإنسان، لذلك وتماشياً مع رسالتها، إختارت القاضي جون القزي لمنحه جائزة المؤسسة السنوية للعام 2009، وذلك تقديراً لحكمه الصادر في آب 2009 بمنح إمرأة لبنانية حق إعطاء الجنسية اللبنانية لأولادها القاصرين بعد وفاة زوجها من الجنسية المصرية، علماُ أنّ المادة 4 من قانون الجنسية الصادر عام 1925 لا يعطيها هذا الحقّ. من هنا، وانطلاقاً من إيمان المؤسسة بضرورة العمل بالقانون الطبيعي، تمّ إعتبار هذا الحكم الصادر سابقةً تمّ من خلالها مناصرة مدرسة القانون الطبيعي المبني على أساس إحترام حقوق الإنسان.
- ما هي رؤية المؤسسة لمستقبل حقوق الإنسان في لبنان؟
يمكن تحديد مستقبل حقوق الإنسان في لبنان من خلال مستوى الإقبال عل تعليم حقوق الإنسان ونموّ النشاط في هذا المجال. ومن هنا يمكن توصيف لبنان من خلال وضعه في خانة البلدان الديمقراطية التي تشهد بعض المظاهر السلطوية كالمغرب، تونس، مصر والأردن على سبيل المثال. هذا التوصيف يشكل حافزاً لعمل مؤسسة خقوق الإنسان والحق الإنساني في لبنان من أجل تعميم ثقافة حقوق الإنسان أسلوباً وممارسةً، وذلك عبر توسيع آفاق التعاون مع جمعيات أخرى لدعم مبادرة التعليم وعبر المحافظة على مستوى الشفافية التي تتميّز به المؤسسة حفاظاً على رسالتها وتشبّثاً بمبادىء حقوق الإنسان العالمية.
|